علي بن أحمد المهائمي
611
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
زلفى ؛ لأنها صور إلهيته عندهم ، فدعاهم إلى ذلك الإله الواحد ، فإنه لما ظهر في هذه المظاهر أحدث صور فيها حكمتها ؛ ( لعلمهم بأن تلك الصور حجارة ) ، إذ لا تتميز الصورة الإلهية عن الحجرية في هذا المظهر ، فلم يبق لها إلهيته ، فتصح عبادتها حتى تكون مقربة إلى اللّه تعالى ؛ ( ولذلك ) أي : ولكون تلك الصور حجارة ، وإن ظهر الإله بها ( قامت الحجة عليهم بقوله : قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ [ الرعد : 33 ] ) أن تلك الأسماء لهم حقيقة ) ، والإلهية لو ظهرت فيها لسميت صورتها باسم ذي الصور تكون مجازا ، فخافوا من ذكر الأسماء المجازية أن تحتج عليه بصحة نفيها عنهم ؛ لأن من خواص المجاز صحة النفي هذا إذا تميزت الصورة عن المرآة ، فكيف فيما لا تتميز ، لكن القاصر في المعرفة إذا سمع ظهور الحق فيها ، وأن الحق أراد أن يعبد في هذه المراتب لا ينكر على عابديها ، وهي غلط منشئه ، فصورة المعرفة إذ كمالها يقتضي الإنكار . [ وأمّا العارفون بالأمر على ما هو عليه فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من الصّور ؛ لأنّ مرتبتهم في العلم تعطيهم أن يكونوا بحكم الوقت لحكم الرّسول الّذي آمنوا به عليهم الّذي به سمّوا مؤمنين ، فهم عبّاد الوقت مع علمهم بأنّهم ما عبدوا من تلك الصّور أعيانها ، وإنّما عبدوا اللّه فيها بحكم سلطان التّجلّي الّذي عرفوه منهم ، وجهله المنكر الّذي لا علم له بما تجلّى ، وستره العارف المكمّل من نبيّ ورسول ووارث عنهم ، فأمرهم بالانتزاح عن تلك الصّور لما انتزح عنها رسول الوقت اتّباعا للرّسول طمعا في محبّة اللّه إيّاهم بقوله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] ، فدعا إلى إله يصمد إليه ويعلم من حيث الجملة ، ولا يشهد و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 113 ] ، بل وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 113 ] ، للطفه وسريانه في أعيان الأشياء . فلا تدركه الأبصار كما أنّها لا تدرك أرواحها المدبّرة أشباحها وصورها الظّاهرة ، فهو اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الأنعام : 103 ] ، والخبرة ذوق ، والذّوق تجلّ ، والتّجلّي في الصّور ؛ فلابدّ منها ولا بدّ منه ، فلابدّ أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت ، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [ النحل : 9 ] ] . كما أشار إليه بقوله : ( وأما العارفون بالأمر على ما هو عليه ) ، فيعلمون أن الحق ، وإن تجلى فيهم بالصورة الوجودية ، فلم يتجل في شأن بالإلهية ؛ لأنها بوجوب الوجود بالذات ولا يمكن التجلي بها ، فلا تستحق هذه المظاهر العبادة ؛ لأن أصلها العبودية ، وهي باقية في أسمائها الحقيقية ، والأسماء المحاذية لا نطلق عليها ؛ لأنها مما يفسد الاعتقاد الصحيح ، والحق وإن أراد أن يعبد فيها ، فإنما أراد ذلك من المحجوبين الذين يرون في ظهوره فيها